رسالة اخبارية

لتلقي آخر الأخبار المتعلقة بدائرة المحاسبات عبر بريدك الإلكتروني

إستقلالية دائرة المحاسبات

نصّ الفصل 57 (قديم) من دستور 1 جوان 1959 على إحداث "دائرة المحاسبات" كهيئة مكوّنة لمجلس الدولة إلى جانب "المحكمة الإدارية" وكلّفها بمراجعة حسابات الدولة وبإعداد تقرير في هذا الشأن ورفعه إلى رئيس الجمهورية وإلى مجلس الأمة آنذاك وفوّض للمشرع مهمّة تحديد تركيبة مجلس الدولة وضبط إجراءاته ومشمولات أنظاره.

ووفقا للتعديلات التي أقرّها القانون الدستوري عدد 37 لسنة 1976 المؤرّخ في 8 أفريل 1976، عوّض الفصل 69 (جديد) الفصل 57 (قديم) واقتصر على التنصيص على دائرة المحاسبات والمحكمة الإدارية كهيئتين مكوّنتين لمجلس الدولة وأحال للمشرّع مهمّة ضبط المشمولات والإجراءات المتعلقة بهما وهو ما كرّسه التنقيح الشكليّ الذي شهده هذا الفصل بموجب القانون الدستوري عدد 65 لسنة 1997 المؤرّخ في 27 أفريل 1997.

وتطبيقا لأحكام الدستور، تمّ سنّ القانون عدد 8 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 الذي جاء محدّدا لنطاق تدخّل دائرة المحاسبات وضابطا لمشمولاتها دون أن يضبط طرق عملها والإجراءات المتّبعة من قبل تشكيلاتها والتي لم يتمّ تناولها إلاّ في ماي 1971 بمقتضى أمر. وبغرض تطوير الإطار القانوني المنطبق على الدائرة وتأمين مواكبته لتطوّر الدولة وملاءمته لمتطلّبات منظومة المالية العمومية ومقتضيات التصرّف العمومي، تمّت مراجعة القانون المذكور ونصوصه التطبيقيّة عديد المرات كان آخرها بموجب القانون الأساسي عدد 3 لسنة 2008 المؤرّخ في 29 جانفي 2008. وأسند المشرّع لدائرة المحاسبات سلطة قضائية للبتّ في حسابات المحاسبين العموميين وللنظر في التصرفات بحكم الواقع وأهّلها لإثارة اختصاصها في شأن الحسابات التي أسندت تصفيتها إلى السلطة الإداريّة وللبتّ في الطعون الموجّهة ضد القرارات الصّادرة عن تلك السلطة. كما منحها سلطة رقابية عليا للنظر في حسابات وتصرّف جميع الهيئات العمومية بما فيها تلك التي تساهم الدّولة أو الجماعات المحليّة في رأس مالها مهما كانت تسميتها. وخوّل لها كذلك تقدير نتائج الإعانة الاقتصاديّة أو الماليّة التي تمنحها الهياكل المذكورة آنفا للجمعيات والتعاونيات والمؤسسات والهيئات الخاصة مهما كانت تسميتها.

ونظرا لحصر المهام القضائية لدائرة المحاسبات في البتّ في حسابات المحاسبين العموميين دون غيرهم، فقد اقتضى الأمر منذ سنة 1970 تعزيز المنظومة القضائيّة المالية بهيئة إضافية أحدثت بالقانون وهي دائرة الزجر في ميدان الميزانية التي عوّضت لاحقا في سنة 1985 بدائرة الزجر المالي والتي تختصّ بالبت في قضايا أخطاء التصرّف التي تقترف إزاء الدولة والجماعات المحليّة والمؤسسات والمنشآت العمومية من قبل الأعوان العموميين. وفي هذا الإطار، فإنّ أحكام دائرة الزجر المالي باتّة غير قابلة للطعن لا بالاستئناف ولا بالتعقيب ولا يمكن إلاّ طلب مراجعتها وهو ما يعدّ إجحافا في حقّ المدّعى عليهم ويتعارض بذلك مع مبدأ التقاضي على درجتين الذي تمّ إقراره بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

وبغرض تعزيز مكانة دائرة المحاسبات بالدستور الجديد وتحديد علاقتها بالسلط العمومية لغاية تفعيل دورها في الحفاظ على المال العام، تمّت صياغة هذه الوثيقة التي تتضمّن تشخيصا للوضع الحالي لهيئة القضاء المالي بتونس وصياغة مشروع للأحكام الدستورية المقترح عرضها على المجلس الوطنيّ التأسيسيّ قصد إدراجها بالدستور الجديد، وذلك انطلاقا مما أفرزته التجربة ببلادنا واستئناسا بالأمثلة المقارنة وبالمعايير الدولية ذات الصّلة. وتمّ في هذا الإطار التعرّض إلى مختلف المسائل المتّصلة بالموضوع من خلال محاور شملت مكانة دائرة المحاسبات في الدستور والتنصيص على وظائفها وضمان استقلاليتها العضوية والمالية والوظيفية صلب الدستور

طباعة